الشيخ علي المشكيني
18
دروس في الأخلاق
مَلَكاتها ، كما عرفت . وهذا القسم - مضافاً إلى كونه ملحوظاً بالاستقلال في المراحل التربويّة - يكون كالغرض والغاية للقسمين الآخرين أيضاً ، كما قال صلى الله عليه وآله : « بُعِثْتُ لُاتَمّمَ مَكارمَ الأخلاق » ؛ « 1 » وهذا هو المبحوث عنه في المقام . الأمر الثّالث : أنّه ينبغي أن نقول في توضيح موضوع البحث : إنّ هنا موجوداً غير هذا الجسم المرئي ، ينسب إليه الشعور والعقل والعزم والإرادة ، ويشار إليه بكلمة « أنا » و « أنت » ، وتسند إليه أمور ليست من عَوارض الجسم وصفاته في قول الشخص : علمت ، وفهمت ، وأردت ، وكرهت ، وأحببت ، وأبغضت ، ونحوها . وبتقارن هذا الجوهر للجسم وازدواجه به يتحقّق مصداق لقوله تعالى : « وَإِذَا النُّفُوسُ زُوّجَتْ » « 2 » في الدنيا ، كما يتحقّق مصداق له أيضاً بازدواجه به بعد الحياة في عالم الآخرة . وبهذا التقارن يصير الجسم خلقاً آخر ، كما يشير إليه قوله تعالى : « ثُمَّ أَنشَأْنهُ خَلْقًا ءَاخَرَ » « 3 » أي : بعد تمام الأربعة الأشهر للجنين في الرحم نفخنا فيه الروح ، فصار بذلك خلقاً آخر غير سابقه ، وهو صيرورتُه إنساناً ، ومن شأن هذا الموجود الحالّ أنّ له تسلّطاً تامّاً على الجسم ، تصدر حركاته بمشيئته وأفعاله بإرادته . بل الإنسان في الحقيقة عبارة عن هذا الموجود المقارن الحالّ ، وأمّا المحلّ فهو كقرينه وجليسه ، ومن معدّات بقائه في الدنيا ودوامه . ولذلك قال تعالى : « قُلْ يَتَوَفَّلكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكّلَ بِكُمْ » « 4 » ؛ فإنّ المخاطب في الآية الشريفة هو الإنسان بحقيقته ، وهو الذي يتوفّاه الملك ويأخذه إلى ربّه ، والباقي بعده لباسٌ خَلَعَهُ ورَماه ، وغلافٌ تركه وألقاه ؛ ومن هنا يمكن أن يقال : إنّ ما ذُكر في الكتاب العزيز من عنوان الإنسان والبشر وبني آدم والناس ، وكذا أسماء إشاراتهم وضمائر الغيبة والخطاب الراجعة إليهم ، لا يراد به إلّا هذا الموجود ، ولا ينطبق إلّاعليه ، فيكون ما نُسب إلى تلك العناوين من الأعمال والأفعال
--> ( 1 ) . مكارم الأخلاق ، ص 8 ؛ نصّ النصوص ، ص 71 ؛ المحجّة البيضاء ، ج 4 ، ص 121 . ( 2 ) . التكوير ( 81 ) : 7 . ( 3 ) . المؤمنون ( 23 ) : 14 . ( 4 ) . السجدة ( 32 ) : 11 .